الثقة مكون جوهري

للقيادة المدرسية المتميزة

كثيراً ما يُقال إن القادة المؤسَسِينَ يعملون مثل صلة الوصل بين جانبي الساعة الرملية، حيث يمثل أحد الجانبين موظفي المؤسسة، بينما يمثل الجانب الآخر قاعدة الزبائن، الجمهور، العملاء أو حتى مجموعة أصحاب المصلحة في المؤسسة، ليقف القائد في المنتصف كصلة وصل بين الجانبين. لعمل القائد شقان: يتمثل الأول في إيصال ما يريده الزبائن للموظفين، بينما يتمثل الشق الثاني في إيصال قيمة ما يمكن للمنظمة إنتاجه وتقديمه إلى الزبائن. ويمكننا رؤية هذا بوضوح في المدارس، إذ ينبغي على القائد المدرسي أن يشارك بشغف مع أولياء الأمور المحتملين قيمة المدرسة، كما عليه أيضاً مشاركة احتياجات ورغبات أولياء الأمور والهيئات الحكومية وسوق العمل، وغيرهم من أصحاب المصلحة مع موظفي المدرسة بالشغف نفسه.

يبدو هذا الترتيب منطقياً ولطيفاً، لكن أي مدير مدرسة سيخبرك ببساطة إن وقوعه في المنتصف بين الطرفين يسبب التوتر. لنلق نظرة على هذا المثال: عبّرت إحدى لجان أولياء الأمور لمدير إحدى المدارس عن شعورهم بالإحباط لتلقي أطفالهم للكثير من الواجبات المنزلية خلال عطلة نهاية الأسبوع، مدعين أنه ليس لدى أطفالهم الوقت الكافي لإكمال الواجبات، وبالتالي أصبحت عطلة نهاية الأسبوع أكثر إرهاقاً مما ينبغي أن تكون عليه. نقل مدير المدرسة هذا الأمر إلى المعلمين، الذين قدموا بدورهم حجة قوية تقول إن الواجبات المنزلية أساسية في الإنجاز الأكاديمي للطلبة. وقال المعلمون إنهم لا يمتلكون الوقت الكافي لتنفيذ تدريبات موجهة على دروس الرياضيات، لذا لا بد من تكليف الطلبة بواجبات منزلية في عطلات نهاية الأسبوع.

يمتلك كلا الطرفين حججاً مقنعة قدماها بنية سليمة، لكن هذا لا يُريح المدير الذي عليه الآن أن يتحدث مع أولياء الأمور مجدداً ويشرح لهم مخاوف المعلمين. باختصار، فإن المدير عالق في الوسط كما يُظهر مثال الساعة الرملية. لاحظ المدير أن أولياء الأمور سيشعرون بالإحباط من عدم قدرته على تغيير سلوك المعلمين، لكن المعلمين محبطون من عدم قدرته على تغيير وجهة نظر أولياء الأمور.

نظراً لأنه عالق في هذا الوضع، فمن الشائع أن يفكر المدير: لماذا أتعرض أنا للهجوم رغم أنني لست إلا مجرد رسول ينقل رسالة؟ لكن غالبية القادة يلاحظون في النهاية أنهم ليسوا مجرد رسل لإيصال الرسائل عندما يكونون صلة وصل بين مجموعتين. إذ لا بد للقائد في هذا المثال من اتخاذ قرار، فإما الانحياز إلى طرف دون آخر، أو اقتراح حل وسط قد يجده كلا الطرفين غير ذي فاعلية. كيف يمكن لقائد مدرسي مواجهة هذا التحدي، والذي غالباً ما سيتكرر بطرق مختلفة بين مجموعات أصحاب المصلحة المختلفة؟

سأقدم حلاً من خطوتين، أولاً، يجب على القائد اتخاذ قرار بناء على الأدلة المتوفرة، حتى وإن اكتشف فيما بعد أنه اتخذ قراراً خاطئاً، لا يجب لهذا الاحتمال أن يمنع القائد من اتخاذ القرار، ويتحتم عليه عند اكتشاف الخطأ أن يلتزم بإصلاحه. لكن تأخير مديري المدارس للقرارات الهامة، أو تخفيف أثرها، أو تجاهلها، أو تشويشها، لن يتسبب إلا في مزيد من العداء بين الجانبين.

تتمثل الخطوة الثانية في هذا الحل في بناء الثقة بين جميع المجموعات، وهي الجزء الأهم في تلك العملية، كما أنها تعد بين أكثر النواحي أهمية في الإدارة المدرسية، كما ورد في العديد من الدراسات التجريبية (1). إلى جانب أنها الأصعب، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أنها تستغرق وقتاً. في الواقع، فإن الجوهر الحقيقي للثقة في القائد لا يمكن ملاحظته إلا بمرور الوقت من خلال اتساق سلوكه وقراراته. والثقة حسب تعريفها لن تُبنى بين القائد وموظفي المدرسة أو أولياء الأمور، والطلبة، وأعضاء المجلس، وأفراد المجتمع، أو أي مجموعة من أصحاب المصلحة بين ليلة وضحاها، بل تتطور الثقة بالسماح لجميع مجموعات أصحاب المصلحة بملاحظة اتساق القائد ونزاهته خلال فترة زمنية طويلة.

 

لكن خلال هذا الوقت، يقع بعض مديري المدارس في فخ الفشل في بناء الثقة مع أولياء الأمور أو المعلمين أو الطلاب. ويمكن إرجاع ذلك لسببين من وجهة نظري، أولهما، نفاذ الصبر، حيث يشعر بعض قادة المدارس بأن الانتظار لاكتساب الثقة يتطلب الكثير من الوقت. ونتيجة لذلك، فقد يسلكون طرقاً مختصرة من خلال محاولة تقديم خدمة لمجموعة دون الأخرى. فكما في المثال السابق، ربما شعر المدير أن عمله سيكون أسهل بمرور الوقت إن انحاز إلى جانب أولياء الأمور، لذا يتخذ قراراً سريعاً لصالح أولياء الأمور، ثم يقدم مبرراً مختلفاً للمعلمين، على أمل أن يختفي هذا الصدع بسرعة. لعله كان يظن أن أولياء الأمور السعداء سيمثلون نصيراً أقوى له في مجلس المدرسة من مجموعة سعيدة من المعلمين.

ويتمثل السبب الثاني في أن بعض قادة المدارس يشعرون بالتعب خلال رحلتهم على مسار الثقة الطويل لأنهم يعجزون عن تبرير قراراتهم. يفهم معظم الناس بشكل حدسي أن القائد المؤسَسي الذي لا يستطيع شرح سبب قراره بصدق، ويعترف في الوقت نفسه بجميع المصالح المتنافسة التي قد تكون قائمة، يُنظر له بمرور الوقت على أنه شخص يتخذ القرارات لصالحه.

يمثل الصبر أثناء عملية بناء الثقة أحد أكبر التحديات في قيادة المدرسة، فعندما يُعيّن مدير مدرسة جديد، سيأمل الكثير من الأشخاص ضمن المدرسة، من أولياء الأمور إلى المعلمين، ومن الطلاب إلى أعضاء مجلس المدرسة، بأن يأتي هذا القائد الجديد بتغيير محبب يتوافق ومصالح مجموعة معينة. يتذكر غالبية مديري المدارس من ذوي الخبرة أيامهم الأولى في الوظيفة، حيث يسارع عشرات من ممثلي أصحاب المصلحة المحبطين لعقد اجتماعات والتعبير عن مخاوفهم. إنه أمر مفهوم تماماً، فكل مجموعة من أصحاب المصلحة تريد إيصال صوتها، وتسوية مظالمها، وتلبية احتياجاتها. وبالتالي، سيحاولون كسب ود المدير الجديد الذي سيكون من السهل عليه اتخاذ قرارات سريعة دون رؤية الصورة الكاملة.

 

إذاً، ما الذي ينبغي على قائد المدرسة القيام به في تلك الفترة الطويلة جداً والتي غالباً ما تكون موجعة اللازمة لبناء الثقة؟ كيف يتحول مدير المدرسة من شخص “جديد تماماً” إلى شخص جدير بالثقة؟ وكيف يمكن لذلك القائد الصمود خلال هذه العملية الصعبة لبناء الثقة؟ سأقدم قائمة تحقق يومية بسيطة لذلك. يمكن لمدير المدرسة الجديد الاحتفاظ بها على مكتبه والاطلاع عليها في الصباح؛ ثم يمكنه مراجعتها في نهاية اليوم، وتذكر أحداث اليوم بعناية. ربما في أحد الأيام، سيلاحظ هذا المدير أنه اتخذ قراراً يؤدي إلى قلة الثقة. لا داعي للقلق، مثل هذه الأمور تحدث للقادة، ولن تتحطم الثقة بسبب قرار واحد، بل إنها تُبنى من خلال مجموعة من التصرفات، التي لا تكون جميعها مثالية. ينبغي على هذا القائد الجديد أن يسعى للقيام بأفضل ما بوسعه، وهو يعلم أن تحقيق الكمال من المستحيلات.

وفيما يلي قائمة التحقق اليومية لمدير المدرسة الجدير بالثقة:

  • هل يعرف الناس أسباب القرار الذي اتخذته اليوم، حتى وإن لم يكونوا متفقين معه؟ حتى إن لم يهتموا بالمعرفة، فهل لديهم القدرة على اكتشاف الأسباب ومعرفتها؟
  • هل وضعت مصلحة الطلبة في جوهر كل قرار اتخذته اليوم؟ هل عكست قرارتي اهتمامي الكلي برفاههم وتطورهم الأكاديمي والاجتماعي الشامل؟
  • هل شعرت أني مجبر لإخفاء أي معلومة أو جزء من عملية اتخاذ القرار عن شخص ما لديه الحق بهذه المعرفة أو المعلومة؟
  • هل كانت أي من تصرفاتي اليوم سبباً في الحاجة للتستر على شيء قمت به؟
  • هل سلكت طرقاً مختصرة اليوم بينما لم يكن ينبغي علي ذلك؟ هل عملت بأقصى جهدي بدنياً وعقلياً وعاطفياً؟
  • هل حاولت بفعالية وبانفتاح الاستماع إلى وجهات نظر مختلفة أو جديدة اليوم؟ هل كانت تصرفاتي وقراراتي بعد الاستماع تعكس الإقرار بوجهات النظر المختلفة هذه، حتى إن لم أتخذ قراراً لصالح أحدها؟
  • حتى إن كان الوضع صعباً عاطفياً بالنسبة لي، هل احترمت كل شخص تعاملت معه اليوم؟ هل عبّرت عن امتناني للأشخاص المختلفين الذين صادفتهم خلال اليوم؟
  • هل قال 75% على الأقل من الأشخاص الذين تواصلوا معي اليوم أني أتمتع بموقف وتصرفات إيجابية؟
  • هل امتنعت عن الاستماع للشائعات اليوم؟ حتى وإن كنت غاضباً من أحدهم، هل منعت نفسي من التحدث عن ذلك الشخص إلى أحد الزملاء أو أولياء الأمور أو الموظفين؟
  • هل استغللت شخصاً ما لإنجاز شيء أريده؟ هل أسأت استخدام صلاحياتي كقائد مدرسة؟
  • إن ارتكبت خطأ اليوم، هل اعترفت بذلك، أم أني حاولت التستر على الأمر؟

 

ربما هناك الكثير من الأسئلة الأخرى التي يرغب المرء في إضافتها إلى قائمة التحقق الشخصية للقائد الجدير بالثقة، لكن ما سبق قد يمثل بداية جيدة لتشجيع التأمل الذاتي والشفافية. وعندما نفكر مجدداً بشأن الساعة الرملية، فإننا نلحظ أن القائد هو صوت كل مجموعة من أصحاب العلاقة لدى المجموعات الأخرى، ويعد هذا الصوت أداة قوية يمكن استخدامها للخير أو لتحقيق مكاسب شخصية.

لكن دعونا الآن نتأمل منظورنا المرئي الأكثر تقليدية نحو القيادة، والمتمثل في التسلسل الهرمي الذي يشغل القائد فيه موقع القمة. حصل القادة على مدى التاريخ وعبر الحضارات المختلفة على امتيازات عظيمة، لكنها تترافق مع مسؤوليات أعظم حتى. من الممكن التسامح مع زميلين يتحدثان بسلبية بينهما عن زميل ثالث أخطأ في حقهما. لكن القائد يجب أن يكون مختلفاً. من المؤكد أنه قد يبقى وحيداً، كما أنه في الواقع يتطلب درجة عالية بشكل استثنائي من ضبط النفس. لكن جميع من في مجتمع المدرسة يعتمدون على المدير ليكون عماد الأخلاق والتعاطف والنزاهة. حتى أولئك الذين عينوا أنفسهم لتمثيل مجموعة من أصحاب المصلحة والذين يسارعون إلى المدير الجديد ليروا إن كان باستطاعتهم الحصول على ما يريدونه من مدير جديد ضعيف، يمكن أن يظهروا الاحترام لقرار قائد جدير بالثقة حتى إن لم يكن محابياً لهم.

كم تستمر هذه الفترة؟ حسناً، رغم أن الثقة قد تحتاج إلى أشهر لبنائها، إلا أن الحقيقة المرة هي أن هذه الفترة لا تنتهي أبداً. لكن كما رأيت مع جميع مديري المدارس الذين أعرفهم والذين عرفتهم طوال عقود، فإن الثقة عندما تُبنى تحرر القائد. إذ ينتابه شعور مرضٍ جداً عندما يتمكن من اتخاذ قرارات تحظى باحترام جميع مجموعات أصحاب المصلحة، حتى وإن لم يكن القرار محابياً لهم. توفر هذه الحرية من الاضطرار للتستر على الأخطاء وتحقيق المصالح الشخصية والأحاديث السلبية حالة من التمكين، أما الأكثر أهمية فهي أنها تتيح لقائد المدرسة القيام بالعمل الحقيقي في قيادة المدرسة دون قيود.

من السهل أن يعلق المرء في خضم المجموعات ووجهات النظر والاحتياجات والمصالح المختلفة، لكن ينتهي المطاف بقادة المدرسة الذين يبنون الثقة مع مرور الوقت باكتشاف أن دورهم كصلة وصل في هيكل الساعة الرملية مرضٍ ومنطقي. والأهم أنهم سيجدون أنهم قادرون على تحفيز مستويات عالية من التغيير الإيجابي والمنتج في مدارسهم.

 

(1) ليثوود، كيه، سون، جيه، وشوماخر، آر (2020). كيف تؤثر قيادة المدرسة على تعليم الطلاب: اختبار “نموذج المسارات الأربعة”. المجلة الفصلية للإدارة المدرسية، 56(4)، 570-599.

د. تيد برينتون هو العميد المؤسس لأكاديمية الشارقة للتعليم. عمل برينتون سابقاً كمستشار تعليمي أول لمجلس التنمية الاقتصادية في البحرين (التعليم المستمر/ عميد كلية البحرين للمعلمين)، حيث ضاعف حجم الكلية وعمل على توسعة برامجها وقدرتها الاستشارية للإصلاح التربوي داخل البحرين. كما عمل قبل ذلك، كعميد لكلية الدراسات العليا في التعليم بالجامعة الأميركية بالقاهرة (AUC)، وكعميداً مشاركاً للجامعة (مسؤول العلاقات الدولية الأول بالجامعة الأميركية بالقاهرة، والمسؤول أيضاً عن الإدارة الأكاديمية والمبادرات الاستراتيجية).

ترأس برينتون قسم الإدارة التربوية بجامعة لويس الوطنية في شيكاغو؛ وعمل كعضو مشارك في مركز محو الأمية، مختبر التعليم الإقليمي الشمالي الأوسط؛ ومدير البرامج في مدرسة مقاطعة برامونت بونيفايد في لوس أنجلوس؛ ومعلم اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية/ المدرسة المتوسطة في لوس أنجلوس.

حصل برينتون على درجة الدكتوراه في السياسة التعليمية والتخطيط والإدارة من جامعة جنوب كاليفورنيا. كما عمل كعضو في مجالس إدارة عددٍ من المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى، ومستشاراً لمجموعة واسعة من المنظمات التعليمية والحكومية حول قضايا تتضمن إعادة الهيكلة التنظيمية، والتطوير المهني للمعلمين، وتخصيص الميزانية الجامعية، وإعادة تصميم نظام التعليم العالي، والمزيد.

1 Comment

Leave a Comment

1 Comment

Leave a Comment